محمد جمال الدين القاسمي

119

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ذلك وضعف ، ومدّ عنقه ، فجل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة . و ( ذرعا ) تمييز ، لأنه خرج مفسّرا محوّلا ، الأصل : ضاق ذرعي به ، وشاهد الذراع قوله : وإن بات وحشا ليلة لم يضق بها * ذراعا ولم يصبح لها وهو خاشع وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ أي شديد . وكيف لا يشتد عليه ، وقد ألمّ المحذور ، كما قال تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 78 ] وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ( 78 ) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ أي يسرعون كأنما يدفعون دفعا . وقرئ مبنيا للفاعل . وَمِنْ قَبْلُ أي قبل مجيئهم كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أي الفواحش ويكثرونها ، فمرنوا عليها ، وقلّ عندهم استقباحها ، فلذلك جاءوا مسرعين مجاهرين ، لا يكفّهم حياء فالجملة معترضة لتأكيد ما قبلها . وقيل : إنها بيان لوجه ضيق صدره أي : لما عرف لوط عادتهم في عمل الفواحش قبل ذلك قالَ أي لوط يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أراد أن يقي أضيافه ببناته ، وذلك غاية الكرم ، أي فتزوجوهن . أو كان ذلك مبالغة في تواضعه لهم ، وإظهار لشدة امتعاضه ، مما أوردوا عليه ، طمعا في أن يستحيوا منه ، ويرقّوا له إذا سمعوا ذلك فيتركوا ضيوفه - هذا ملخص ما في ( الكشاف ) ومن تابعه - وظاهر أنه ، عليه السلام كان واثقا بأن قومه لا يؤثرونهن بوجه ما ، مهما أطرى وأطنب ، وشوّق ورغّب ، فكان إظهاره وقاية ضيفانه ، وفداءهم بهن ، مع وثوقه المذكور وجزمه - مبالغة في الاعتناء بحمايتهم ، وقياما بالواجب في مثل هذا الخطب الفادح الفاضح ، الذي يدوم عاره وشناره ، من الدفاع عنهم بأقصى ما يمكن لكيلا ينسب إلى قصور . وليعلم أن لا غاية وراء هذا لمن لا ركن له من عشيرة أو قبيلة ، فذلك غاية الغايات في حيطتهم ووقايتهم . وفي قوله : هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ من التشويق ، على مرأى من ضيفانه ومسمع ، ما فيه من زيادة الكرم والإكرام ، ورعاية الذمام . وبالجملة فهو ترغيب بمحال الوقوع باطنا ، وإعذار لنزلائه ظاهرا - واللّه أعلم - وفي هذا إرشاد إلى التطهر بالطرق المسنونة ، وهي النكاح . وإشارة إلى تناهي وقاحة أولئك بما استأهلوا به أخذهم الآتي .